21 ماَيُو (ماَيِس) 2022
عربي Türkçe
اختيار اللغة:

الكتّاب

رجب أكمكجي

 - انقلاب جماعة الكريبتو
25-07-2018 11:51

إنه آخر ما يمكن أن تصل إليه منظمةٌ إرهابيةٌ اكتسبت شرعيتها من الجماعة والدين، وحشدت قوتها ورواجها الاجتماعي من الدين، ولم تتجنب التحالف مع القوى العلمية في سبيل إحكام سيطرتها على الدولة بقوتها المتعولمة. إن ما حدث في ليلة 15 تموز عبارة عن حركةٍ قامت بها جماعةٌ سفيهةٌ انتظمت في بنيةٍ منظمةٍ مغلقةٍ لا تؤمن بالديمقراطية، صيغت على نفسيةٍ اجتماعيةٍ حولتها إلى شكل روبوتٍ صالحٍ لكل أنواع الاستعمال.

عاشت تركية صدمةً كبيرةً في 15 تموز!.

إننا نقف وجهاً لوجهٍ مع كيانٍ مثيرٍ أحدث هذه الصدمة، فهذا الكيان ليس كياناً عادياً قام بمحاولة انقلابٍ معهودٍ في إطارٍ أيديولوجيٍ.

هذا الكيان المعروف بجماعة غولن بنى مؤسساتٍ عقلانيةٍ وفعالةٍ لأقصى درجةٍ تتلاءم وتنظيم الحياة اليومية. فقام بتعليم أنبغ أبناء البلد في بيوت ‘إشق‘ [ضياء] ودرس خاناتها ومدارسها على مدى أربعين عاماً، ووصلت هذه الجماعة إلى ما وصلت إليه اليوم من الخيانة بسبب انتخاب السياسيين قوةً من المتطوعين من هذه الجماعة، وعدم الاعتبار [السائد] في السياسة والبيروقراطية للمعايير الموضوعية كالتزام الطهارة والوضوء والصلاة، والاعتقاد الصحيح.

وكانت هذه الجماعة هي الجماعة الوحيدة التي تملك في هذه الفترة التي تعولمت فيها المعايير والضوابط الديمقراطية رأسمالٍ بشريٍ لازمٍ وكافٍ لمهمة تحويل السياسة المركزية. وكانت جماعة غولن لديها كوادر تلقت تعليماً جيداً، وتملك القدرة على التأقلم والتكيف مع كل الأوساط الأيديولوجية، وتتبنى طراز الحياة العصرية. 

وتمكنت هذه الجماعة بما لديها من الشباب الذين تم تعليمهم وتأهليهم لأهدافٍ خاصةٍ من التوغل في بيروقراطية الأقسام التكنولوجية والمعلوماتية والموظفين. على الرغم من ذلك بدا هؤلاء الناس كأنهم يتجنبون تطوير شخصياتهم ويخشون من الاقتراب من حدود ثقافة الجماعة الواسعة التي يتنفسونها بكثافة. وكان الجميع ذكياً حكيماً بما فيه الكفاية عند النزول إلى عوالمهم الصغيرة... لكنه [في إطار الجماعة بدا أن] انعدام الشخصية التي تتحول إلى ضرورةٍ أيديولوجيةٍ كما هو سائد في سائر الحركات؛ توجد في هذه الجماعة أيضاً، [ويسود فيها] المانقردية بشكلٍ يصعب تصديقها.

هذا الكيان المكون من طبقتين بعضها فوق بعض. فالطبقة الأولى بنيةٌ صوفيةٌ وفلسفة متعالية (Transcendentalizm) يتشكل الدين على أساسها، وتتجاوز أصول فهم الإسلام المعروفة، وتجمع الناس حول تفسيراتٍ باطنيةٍ خاصةٍ بها، وبذلك يشعر من ينتمي إليها بالاختلاف والتميز.  والطبقة الثانية بنية اقتصادية اجتماعية تجمع الناس من خلال آلية الوعد المستمر بأن من ينتمي إليها سيكون المستقبل مفتوحاً أمامه، وأنه سيبلغ مقامات أعلى، وأنه سيبني عالمه في مستوياتٍ أعلى.

هذا الضرب من الكيانات هو كيانٌ دينيٌ اجتماعيٌ اقتصادي، يعزز قوته بتمكين بنيته الاجتماعية والاقتصادية إلى جانب الدين. وهذا الكيان المتشكل من هاتين الطبقتين على شكل منظمةٍ سريةٍ تريد السيطرة على السياسة والسلطة والدولة قد يتحول إلى ما يشبه كيان الخلايا المعروفة التي تتم إدارتها من مركزٍ معيَّنٍ لا توجد بين معظمها اتصالات، وتملك القدرة على تحريكها في إطار ذلك الخطاب الباطني والأحلام الكبيرة على حدٍّ سواء بأنهم سيكونون أقوياء دائماً، وأن النصر سيكون حليفهم دائماً.

إننا نقف وجهاً لوجهاً مع كيانٍ منظمٍ أوجد نفسه في كل مكانٍ يذهب إليه بارتداء ملابس هذا المكان، ويتصرف كأهله تماماً مثل اليسوعيين، مع الحفاظ دائماً على تلك البلاغة داخل نواته، والعمل خفيةً على خدمتهم من خلال قنواتٍ عديدة. لم يكن يبدو إظهار هذا الكيان على حقيقته ممكناً بسبب تخفّيه في ملابس غيره، لكن محاولة الانقلاب هذه أظهرت هذا الكيان على حقيقته في نهاية المطاف، وانكشفت تلك الشبكة بفضل الذين كان لهم دورٌ في محاولة الانقلاب هذه، والذين كانوا على اتصال فيما بينهم، والذين خططوا للانقلاب، وستنكشف خيوط اللعبة مثل خرقة الجورب عند تقييمه من الناحية القانونية.

إنتشكلت لدى الطبقتين الباطنية والاجتماعية الاقتصادية قناعةٌ قويةٌ بأنها لن تكون قويةً في المستقبل، وأنها لن تبلغ هذه المقامات العليا مرةً أخرى، وأن الدولة ستصد هذا النوع من المحاولات بيدٍ من حديدٍ؛ فإن [مثل هذا الكيان] لن يتمكن من ‘دوْشرة‘ رجالٍ جدد، ولا تستطيع إحياء هذا الكيان من جديد.

نعلم أن الانقلابيين ضعفاء من الأسلوب الذي اتبعوه. نعلم أن الانقلابيين ضعفاء أرادوا الوصول إلى النتيجة بشنِّ هجومٍ مفاجئٍ على الشعب وخلق الصدمة عنده. هذا يعني أنهم استعرضوا كامل قوتهم، ووضعوا كل ثقلهم منذ اليوم الأول واللحظة الأولى، فباءت محاولتهم بالفشل، وقاومهم الشعب.

فإن كان لا يزال في أماكن معينةٍ مغامرون متحمسون للخطابات الباطنية فعليهم أن يعلموا أن الدولة لن تغض الطرف عنهم.

لم يكن عجيباً أن تصدر التحليلات من أصحاب الرؤوس المريضة بأن انقلاب 15 تموز هو "مؤامرة أردوغان"، ولم يكن عجيباً أن يخرج من يحاول قطع فاتورة هذه المحاولة الحقيرة للسياسة المدنية.... ولا من ينسب هذه المحاولة إلى "الإدارة السيئة"... ولا من ينفث غضباً على أردوغان لأنه أمر الشعب بالخروج إلى الشوارع... وليس لدينا ما نقول لمن يستاء من دعوات المقاومة التي ارتفعت من المآذن بدل استيائه من الانقلابيين الذي أطلقوا النار على المدنيين، وتحدوا الحكومة الشرعية والبرلمان المنتخب...

يقول جميل مريج: "لا يوجد في تركية يساريون ويمينيون ومتقدمون ورجعيون، بل شرفاء وغير شرفاء".

بهذه المناسبة أود أن أعبر عن فخري واعتزازي بانتمائي إلى الشعب التركي الذي كتب ملحمةً باستلقائه أمام الدبابات وإفشاله محاولة الانقلاب...

 

 

 

 

 

مقالات أخرى
الأكثر قراءة
الكتاب