20 نُوفِمْبِر 2019
عربي Türkçe
اختيار اللغة:

الكتّاب

 بورا بيرقدار

 - المفاتيح السرية في اتفاقية إدلب
12-12-2017 11:24

أ.م.د. بورا بيرقدار

جامعة الثقافة

 

كانت سنة 2017 السنة التي تبلورت خلالها خطوط الحرب داخل سورية، واجتمعتفيها الجماعات الصغيرة والكبيرة في ظلّ رعاية القوى العالمية والإقليمية ومحسوبياتها. وبينما يتقدم العام نحو نهايته تبدو ثلاث مشاكل أساسيةً ظاهرةً دون حلٍّ؛ بِيد من ستكون الرقابة في الشرق في مدينة دير الزور وما حولها؟ ومن سيراقب الحدود العراقية السورية؟ والإجابة على هذا السؤال ستحدّد بنسبةٍ كبيرة أقدار العراق وسورية خلال السنوات العشر القادمة. فإذا ما تم إخضاع الحدود للرقابة من جديدٍ سيقطع كلٌّ من البلدين شوطاً كبيراً في حماية وحدة أراضيهما، وبخلاف ذلك سيستمرّ التآكل فيهما. [وهذا هو الموضوع الأول].

أما الموضوع الثاني فهو أنّ حزب الاتحاد الديموقراطي PYD(وهو ذراع تنظيم حزب العمال الكردستاني الإرهابي PKK في سورية) وضع يده على خُمْسِ مساحة البلد في شمال سورية بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، فكيف سيكون النهج الّذي ستنتهجه قوات سورية الديمقراطية التي يشكّل حزب الاتحاد الديمقراطي عمودها الفقري؟. وهل سيتم تأسيس إقليم كردي ذاتي الحكم، أم أنّ التوتر الحاصل بين الأكراد والعرب سيطفو على سطح الماء وتحتدم الانشقاقات بينهما؟. والسؤال الثالث هو كيف سيتم تشكيل توازن في إدلب التي أشير إليها في مؤتمر آستانة السادس باعتبارها منطقة لخفض النزاع؟ وهل ستنجح الاتفاقية التركية الروسية الإيرانية في تحقيق أهدافها؟ ومن المؤكّد بأن هنالك قضايا أخرى خارج هذا الموضوع الثالث نذكر منها على سبيل المثال مصير جبهات المقاومة الموجودة في الغوطة الشرقية وحماة وحمص، وإعادة الحياة إلى حلب، وإعادة إعمارها، والبحث عن حل سياسي. ولكن السياسة والدبلوماسية ستتحولان بنسبة كبيرة تبعاً للتطورات على الساحة. وما قدمته الولايات المتحدة الأمريكية من إيحاءٍ بأنها ستتدخل في إدلب بعد أن استولى عليها جبهة تحرير الشام التي يقبل أنّها امتدادٌ للقاعدة في شهر تمّوز؛ تتطلب منا أن نفتح فصلاً خاصّاً بإدلب.

اتفاقية آستانة:

اتفقت تركية وروسية وإيران خلال اللقاءات التي أجريت في آستانة عاصمة كازاخستان (13-15 أيلول) حول موضوع الحماية المشتركة لمنطقة خفض النزاع الرابعة في مدينة إدلب السورية. وصرحت الدول الثلاث في بيانها المشترك بأنّها ستقوم بإرسال قوّات خاصّة بها من أجل دوريات المراقبة في إدلب وجاراتها اللاذقية وحماة وحلب. وقالت وزارة الخارجية التركية في بيانها الذي أصدرته بخصوص الموضوع: "بموجب الاتفاق الذي حصل بين الدول الثلاث الضامنة في اجتماعات آستانة سيتم نشر مراقبين من الدول الثلاث المعنية ضمن نقاط السيطرة والمراقبة التي سيتم إنشاؤها في المناطق الآمنة التي تشكّل حدود منطقة خفض النزاع. وتم تحديد المهمّة الأساسية لقوات المراقبة بحيث تتمثل في منع وقوع اشتباكات بين قوات النظام والمعارضة، ومراقبة خروقات وقف إطلاق النار التي من الممكن أن تحصل". وبناءً عليه سيتمّ تنسيق فعاليات قوات المراقبة من قِبل مركز التنسيق المشترك الّذي سيتم تشكيله بين البلدان الثلاثة. ويمكن تلخيص الهدف الرئيسي من هذه الاتفاقية بأنّه يتمثّل في الحيلولة دون دخول الولايات المتحدة الأمريكية إلى إدلب بدواعي "مكافحة الإرهاب" بعيد استيلاء جبهة تحرير الشام على قسم كبير منها في شهر تمّوز، وقطع الطريق أمام امتداد تنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي إلى غرب سورية. وهذا الأمر يشكّل قلقاً كبيراً لدى تركية، ولكن الإجابة على هذا السؤال: "كيف يمكن تفسير حساسية روسية وإيران تجاه إدلب؟" لا يمكن تفسيرها دون تقييم الخطّة الرئيسية للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة.

أهداف الولايات المتحدة الأمريكية:

لقد كانت استراتيجية الإدارة الأمريكية متذبذبة طيلة فترة الحرب في سورية، بل كان يتمّ التساؤل عن وجودها أصلاً، ويبدو بأنّها قد وجدت ضالّتها عبر التحالف الّذي شكّلته مع حزب الاتحاد الديمقراطيالإرهابي. كانت أمريكة قد عزمت على المضي قدماً في طريق إسقاط الأسد، وهدفت من خلال تغيير النظام إلى فتح مجال جديد للطاقة والأمن أمام أوروبة من خلال الالتفاف على روسية، ولكنّ هذا الهدف تبخّر في صحارى الشرق الأوسط بسبب مقاربات أوباما الخجولة. وتقول مراكز الفكر الأمريكية أن سياسة أوباما في الشرق الأوسط المختزلة على صورة: "عدم القيام بخطوة غبية" جرّت سورية إلى الظلام الّذي يهيمن عليها اليوم.

لقد صرحت أمريكة في صيف 2013 بأن استخدام نظام الأسد للسلاح الكيماوي يشكّل خطّاً أحمر، ثمّ ما لبثت أن تراجعت بخطواتها إلى الوراء وانسحبت تاركة الساحة لروسية. ثم عادت إلى سورية عن طريق تنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي، وتوغّلت حتّى دير الزور واستقرّت في المجال المحصور بين نهري الفرات والخابور. ويبدو بأن قائد القوات المركزية الجنرال جوزيف فوتيل الذي يقود العمليات، ووزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون، وصنّاع القرار في كنف البيت الأبيض راضون عن الوضع.

يتم تحديد السياسة التي تنتجها أمريكة تجاه سورية وحزب الاتحاد الديمقراطي وتركية على يد القادة والمستشارين والعسكريين الذي يسيرون العمليات العسكرية في العراق وأفغانستان منذ حوالي 15 سنة تقريباً، ويعملون مع الأكراد في العراق على وجه الخصوص. وسوف تحقق أمريكة التي لا تلقي بالاً لاعتراضات حليفتها تركية مكاسبَ كبيرةً إذا ما تمكّن حزب الاتحاد الديمقراطي من مدّ نفوذه إلى إدلب غرباً وأربيل شرقاً. فتتمكّن بذلك من تحويل هذه المنطقة إلى دولة على شكل حامية عسكرية دون أن تفكّر بإرضاء تركية، وتقوم بإخضاع العراق لسيطرتها بعد أن عجزت عن الاستحواذ عليها بعد احتلالها عام 2003، وتكسر المقاومة السنية المتمركزة في الموصل إلى الأبد، وتقدّم لإسرائيل شريكاً يسهّل عليها القيام بالمناورات. ويتمّ إزعاج تركية وإيران والتضييق عليهما عبر هذه المنطقة. والرئيس ترامب الّذي أطلق الوعود طيلة حملته الانتخابية بسياسة خارجية مختلفة وسياسة جديدة حيال سورية؛ سيتم إمساكه بعيداً عن الموضوع ما أمكن.

إن الولايات المتحدة الأمريكية لديها قائمة أولويات في سورية. ويأتي في مقدمة تلك القائمة الحصول على مجالات وقواعد عسكرية تجعل إدارة العمليات في سورية ممكنةً، وحماية هذه القواعد والحفاظ عليها بتكاليف منخفضة، وتعزيز العناصر المحلية - حزب الاتحاد الديمقراطي - التي ستؤمن هذه الحماية لتغدو صاحبة الكلمة في المباحثات المتعلقة بسورية، وتضييق الخناق على دول المنطقة، وبناء الدويلات بشكلٍ يسهّل سيادتها في خليج البصرة أمداً طويلاً. وقد حقق التحالف الأمريكي مع حزب الاتحاد الديمقراطي مبتغاه في تحرير الرقّة من تنظيم داعش، الأمر الذي يُتصوّر بأنه أكبر قصة نجاح يحققه التحالف، وبلغ هذا الهدف مرحلته الأخيرة وإن كان يتقدّم ببطء. ولكن كتابة حكاية نجاحٍ سياسية نظيفة في أعقاب المكاسب العسكرية المحتملة ليس أمراً سهلاً كما يبدو على الولايات المتحدة الأمريكية. ويعود ذلك إلى سببين هامين لا تخفيان على الإدارة الأميركية؛ أولهما: الممارسات التي يقوم بها عناصر حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات الحماية الشعبية (YPG) بحقّ السكان المحليين من العرب والتركمان والآشوريين، وجهودها الرامية إلى التغيير الديموغرافي في المنطقة. ومما يعقّد مهمّة الولايات المتحدة الأميركية في تحقيق الاستقرار عن طريق التعاون مع حزب الاتحاد الديمقراطي رغبةُ هذا الأخير في أن يجعل الرقة وبعض المناطق التي يشكل العرب سكانها الأصليين تحت سيطرته باعتبارها غنيمة النصر. وبذلك تعيش الولايات المتحدة الأميركية حالة من الازدوجية؛ فهي تريد من جهةٍ أن ترضي عناصر حزب الاتحاد الديمقراطيوتكافئهم، ولكنها تريد من جهةٍ أخرى أن تفعل ذلك دون أن تثير انتباه السكان الآخرين. وثانيهما: يتمثل في أن تركية تبدي اعتراضاً علنياً وحاداً على تحالف الولايات المتحدة الأمريكية مع حزب الاتحاد الديمقراطي،وتعمل أنقرة على تذكير أمريكة باستمرار بأنّها تتعاون مع تنظيم إرهابي. وهذا الوضع يؤرّق المسؤولين الأمريكيين رغم محاولتهم إخفاء ذلك، فحتى الأطفال يستحيل إقناعهم بأنّ حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات الحماية الشعبية تنظيمان مختلفان عن بعضهما. وقد زال هذا الخيار برمته لاسيما بعد التصريحات التي أدلى بها قائد القوات الخاصة الأميركية الفريق الأول ريموند توماس الذي قال فيها: "سألناهم: ‘إن أردتم أن تسموا أنفسكم باسمٍ غير وحدات الحماية الشعبية فماذا تسمون؟’. فأعلنوا بعد يومٍ أن اسمهم أصبح قوات سورية الديمقراطية (قسد). أعتقد أنها خطوةٌ ذكيةٌ لإقحامهم كلمةالديمقراطية في الاسم الذي اختاروه. وهذا أمرّ وفّر لهم شيئاً من السمعة والتقدير". ومع إدلائه بهذه التصريحات لم يترك لقوات سورية الديمقراطية جانباً يمكن الدفاع عنه لدى تركية. ولا يحتاج الأمر لشرحٍ طويلٍ بأن مقاربة الولايات المتحدة الأميركية هذا مع حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات الحماية الشعبية وخروج بعض الشاحنات المحملة بالسلاح والذخيرة من الترسانة العسكرية لتنظيم حزب العمال الكردستاني خلال عمليات مكافحة الإرهاب الّتي يجري تنفيذها في تركية باتّجاه التنظيمين المذكورين؛ أدّى إلى أن خسرت أمريكة أرضية لها في تركية ذات الـ 80 مليون نسمة بصورةٍ لا يمكن إصلاحها.

ومن الواضح أن حماية تنظيم إرهابي يسفك الدماء منذ أربعين سنة في سبيل تقسيم تركية وتسليحه، ومحاولة إرغام تركية على قبول هذه التنظيم بصفته بنيةً سياسيةً كانت خطأً تاريخياً. والولايات المتحدة الأمريكية من خلال سياستها هذه تقوم بإبعاد حليفها المصيري في حلف شمال الأطلسي (الناتو)عنها رأي العين بوتيرة متسارعة. وقد باتت الولايات المتحدة وتركية - للأسباب المذكورة أعلاه - في المشهد السوري الجديد ندّاً لند بشكلٍ واضح وصريح، وأصبح كلّ منهما منافساً للآخر بصورةٍ يصعب التفاهم بينهما، وتبرز إدلب باعتبارها ساحة جديدة لهذه المنافسة.

الأهمية الاستراتيجية لإدلب:

أسفرت عملية درع الفرات التي أطلقتها تركية يوم 24 من شهر آب، وختمتها بدخولها إلى مركز مدينة الباب في يوم 23 من شهر شباط؛ عن نتائج في غاية الأهمية. أولها أنها قطعت الطريق على حزب الاتحاد الديمقراطيالممتدّ على طول الحدود، وحشدت في هذه المنطقة مجموعات مؤيّدة لها، وقامت بتأمين الحدود بأن جعلت قسماً كبيراً من غرب نهر الفرات، عدا منبج، تحت سيطرتها.وبالتزامن مع العملية المتوقع تنفيذها على عفرين بلغت تركية في الآونة الأخيرة مرحلة القطع النهائي للارتباط الّذي سيؤمنه نظام الأسد مع عفرين آخر النقاط المحتملة لهذا الممر، ومع المجال الّذي بحوزة حزب الاتحاد الديمقراطي/ الولايات المتحدة. وإذا ما قامت قوات المعارضة في إدلب أيضاً بتأمين السيطرة الكاملة ستتبدد أحلام حزب الاتحاد الديمقراطي في إنشاء ممرٍ له، وتفشل كذلك الخطط الّتي ترمي إلى إخراج تركية من الساحة السورية، والمساعي الموجّهة إلى قطع الروابط بين تركية والعالم العربي.

تعمل عفرين حالياً حقلاً لتدريب الإرهابيين من قبل التنظيمين الإرهابيين حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات الحماية الشعبية، وتسريبهم. ومما يكشف عن جديّة وخطورة هذا الوضع الإرهابيون الّذين انطلقوا في مطلع شهر تشرين الأول من عفرين عن طريق البحر وخرجوا إلى اليابسة من الشواطئ التركية المطلّة على بحر إيجه، وتمّ إحباطهم أثناء استعدادهم للقيام بهجومٍ إرهابي في مدينة موغلا. ويقوم مئات المقاتلين الجدد شهرياً بالانضمام إلى صفوف التنظيم الإرهابي وإلى الحرب في شرقي الفرات، ويستعدّ بعضهم للهجوم على تركية من خلال التسلل إليها عن طريق عفرين/إدلب. فتؤمن عفرين الموارد البشرية والدعم اللوجيستي لتنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي، فيثور حزب الاتحاد الديمقراطي ويغضب للمحاولات التركية لقطع الطريق عليه. ويحاول من خلال الضغط على شركائه الأمريكيين أن يوقف العملية التركية تماماً كما حصل في منبج لأن نجاح المناورات العسكرية التركية في عفرين، ودخول إدلب تحت رقابة قوات المعارضة المقرّبة من تركية سيقضي على أحلام حزب الاتحاد الديمقراطي في هذه المنطقة.

والإدارة الأمريكية كذلك لها مآرب أخرى من وراء مطالب تنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي في إدلب. فالولايات المتحدة الأمريكية تحاول أن تصبح صاحبة الكلمة في عموم سورية لتحقيق أمن إسرائيل، وكسر النشاط الإيراني في البلاد وتشكيل منطقة عازلة من قوّات المعارضة في المناطق المتاخمة لإسرائيل والأردن في الجنوب. ففي حال نجحت أمريكة في ممرها الجنوبي فإنها ستُبعد القوات الإيرانية وقوات حزب الله عن إسرائيل، وستكون بذلك قد قطعت خطّ التواصل بين طهران وبيروت لوجيستياً، وستتضح أهمية هذه الخطوة بشكلٍ أفضل إذا ما تمّ أخذ الهزيمة التي عاشتها إسرائيل في حرب تمّوز سنة 2006 بعين الاعتبار. لقد عجزت الولايات المتحدة عن تتويج هذا المشروع على الرغم من توقيعها هدنة وقفٍ لإطلاق النار مع روسية لكي تتمكّن من لملمة شمل الجنوب. وفي الشمال سيتم قطع الطريق أمام الخط الثاني الواصل بين إيران ولبنان عن طريق المنطقة الكردية إذا ما تمّ إخضاع إدلب تحت المراقبة.

والفكرة الأخرى الّتي تراود الولايات المتحدة حيال إدلب تتعلّق بقاعدة حميميم الّتي هي أهم قاعدة عسكرية جوية لروسية في سورية، وستتعقد مهمتها في قاعدة حميميم في حال استولت أمريكة وحلفاؤها على إدلب لأن هذه القاعدة التي استأجرتها روسية هذا العام لمدة 49 عاماً ليست عبارة عن مركز للمناورات العسكرية في سورية فحسب، بل تشكل كذلك القدم الأساسية التي يرتكز عليها النشاط التوسعي الروسي في شرق البحر المتوسط. وهذه القواعد العسكرية الموجودة في كلّ من سورية وشبه جزيرة القرم هي واحدة من أهم أركان الإعداد (البحري) الجديدة التي صرحت روسية عنها سنة 2015. وبناء عليه، إن نجحت الولايات المتحدة بتثبيت مجموعات مقرّبة إليها في إدلب، وأخرجت تركية والعناصر المدعومة من قِبل قطر إلى خارج إدلب، وقطعت الطريق أمام روسية وإيران فستكون بذلك قد نشرت نفوذها وتأثيرها في عموم أرجاء سورية من جهة، وأرّقت روسية ووازنت الكفّة معها من جهة أخرى.

ذريعة مكافحة الإرهاب:

تحتاج الولايات المتحدة إلى ذرائع ومبررات لدخول إدلب، وفي هذا الشأن دخل على الخط تصريح ماكجورك الّذي أدلى به في شهر تمّوز ووجّه من خلاله التهم لتركية بسبب وجود تنظيم القاعدة في إدلب. وبينما يضع المبعوث الأمريكي الخاص بمكافحة داعش تركية على مرمى الأهداف ويتهمها إجحافاً؛ يخلق لأمريكة هذه المبررات، ويحاول أن يعادل الكفّة مع تركية في الضربة الّتي تلقّتها منها في موضوع الدعم الذي تقدّمه أمريكة للتنظيمين الإرهابيين المتمثلين في حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات الحماية الشعبية، وذلك بتصنيفها هي والنصرة في بوتقة واحدة. وقد قال ماكجورك في تصريحه الذي أدلى به في معهد الشرق الأوسط: "لقد أصبحت منطقة إدلب المجال الأكبر الّذي تلجأ إليه القاعدة منذ هجمات 11 أيلول، وفي معظم الأحيان يذهب زعماء تنظيم القاعدة إلى إدلب ويعجزون عن الخروج من هناك. ولكن لابدّ لنا من أن نطرح السؤال التالي: لماذا وكيف يكون بإمكان معاون زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري أن يذهب إلى إدلب؟ لماذا يحصل ذلك؟ كيف يتمكنون من الوصول إلى هناك؟ فهم ليسوا جنوداً مظلّيين. وبالتالي لن أتحدّث عمّا قامت به الولايات المتحدة في بعض مناطق سورية لكي تتغلّب على هذا الأمر، ولكن المقاربة التي اتبعها بعض شركائنا في غضّ طرْفِهم وصرف وجوههم عن إرسال عشرات آلاف الأسلحة ودخول مقاتلين أجانب إلى هذه المنطقة يمكن ألّا تكون المقاربة الفضلى، وقد استفاد تنظيم القاعدة من هذه المقاربة كثيراً. وقد أصبح المكان الآن ملاذاً لتنظيم القاعدة بمحاذاة الحدود مع تركية. وبناء عليه، سنلتقي بالتأكيد مع الأتراك بخصوص هذا الموضوع في القريب العاجل. فكما أغلقنا الحدود في بعض مناطق داعش، ولم نسمح لأحد بالعبور، كذلك بإمكاننا أن نفكر بفعل ذلك في إدلب؛ ذلك أن هذه القضية مختلفة عن داعش، ولكنها قضية كبيرة، وتوجب علينا أن نركّز كثيراً على هدف مكافحة الإرهاب". وردّت تركية على هذه التصريحات الخبيثة عن طريق المتحدّث باسم رئاسة الجمهورية إبراهيم قالن حيث قال: "إن محاولة ربط هيكلة هذا التنظيم الإرهابي بتركية، وتقديم إيحاء من هذا القبيل أمرٌ لا يمكن قبوله، لماذا؟ لأننا لسنا نحن من يسيطر على إدلب". ومع هذا التصريح، والتصريحات الصادرة فيما بعد من الإدارة الأمريكية، يكون ماكجورك قد كشف عن أنّه سيكون بإمكان التحالف التدخل في إدلب بحجة مكافحة تنظيم القاعدة إلى جانب المبررات الأساسية المذكورة أعلاه. ويهدف بالنتيجة إلى بعثرة الحزام الأمني الذي حاولت تركية تشكيله على الحدود، وإعاقة بناء معارضة قوية مؤيدة لتركية على الخط الواصل من نهر الفرات إلى جدول يايلاداغ غوك بينار المائي، ومضايقة قاعدة حميميم الروسية، وتخليص تنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي من وضعه الحرج في عفرين.

انعكاسات أزمة الخليج:

تشكّل أزمة الخليج إحدى أبعاد قضية إدلب، فالسعودية وموالوها الذين أطلقوا حملة فرض الحصار على قطر يخططون لتضييق الخناق على مجال تأثير قطر على الساحة السورية أيضاً، وترك المجموعات التي تدعمها خارج حلبة الصراع، والدخول معها في حربٍ بالوكالة في هذه المناطق. وينبغي عدم التهرب من حقيقة أن نداءات "طرد قطر وتركية من إدلب" التي أطلقتها جبهة تحرير الشام - إحدى الأسماء الرائدة - في التسجيلات الصوتية التي تمّ نشرها خلال الاشتباكات التي وقعت في إدلب في شهر تمّوز؛ تشكّل الشغل الشاغل للسعودية في خطابها وأجندة أعمالها. وقد شكّلت اللقاءات التي أجريت في قمة زعماء الهيئة العامة للأمم المتحدة عقب القرار الصادر في آستانة، وزيارة الزعيم الروسي بوتين إلى أنقرة، وزيارة رئيس الجمهورية أردوغان إلى طهران، واللقاءات المتبادلة بين رئيسي الأركان العامة التركي والإيراني؛ خطواتٍ ذات أهمية بالغة لإحباط هذه المحاولات. وقد تبلورت السياسة الأمريكية العامة تجاه الأكراد، واستراتيجيتها في المنطقة، وحس التهديد الأمريكي في المنطقة من خلال قرار الاستفتاء الصادر عن حكومة إقليم كردستان العراق.

ولهذا السبب أصبحت مسألة إدلب من أهم المواضيع الحاسمة في سورية. ومن الممكن أن تكون العمليات المحدودة التي تقوم بها تركية للسيطرة على خطوط الإمداد والدعم اللوجيستي الصادرة من عفرين بأسرع وقتٍ ممكن؛ إحدى الحلول لمواجهة الخطوة المتوقّع أن تنفّذها كلٌّ من أمريكة وقوات التحالف وحزب الاتحاد الديمقراطيتجاه إدلب. بالإضافة إلى أن صراعها الفعال مع جبهة تحرير الشام في إدلب عن طريق أحرار الشام وداعميه من الهيئات المدنية في المدينة، وتحرك تركية وروسية وإيران الّتي تتقاطع مصالحها في هذا الشأن، وعدم ترك هذا المجال للولايات المتحدة وحلفائها؛ يُعتبر أحد الخيارات المطروحة على الطاولة.

وكان القصف المكثّف على إدلب بعيد القرار المُتّخذ في آستانة وإعلانها منطقة خفض النزاع؛ قد أنزل ضربة قاصمة على ظهر التنظيمات الإرهابية في هذه المناطق. ولكن حين تبقى في الذهن صورة الأضرار التي طالت المدنيين في هذه الهجمات، وفقدانهم حياتهم، والسجل المروّع لروسية والنظام السوري في المنطقة فإنّه من الممكن أن يتسببّ ذلك بزعزعة العلاقات بين قوات المعارضة وتركية في هذا التحالف الثلاثي. وسيكون هنالك مؤشّرٌ مهمٌّ مرتبطٌ بالسؤال عن الكيفية الّتي ستنعكس فيها الاتفاقية على الساحة، ومستقبل سورية، ومستقبل التوافقات الثلاثية، والأهم من ذلك كلّه ماذا سيحلّ بوحدة الأراضي العراقية والسورية.

مقالات أخرى
الأكثر قراءة
الكتاب