22 ماَيُو (ماَيِس) 2019
عربي Türkçe
اختيار اللغة:

الكتّاب

جان أجون

 - الاستفتاء شعبي حول استقلال إقليم كردستان العراق وسياسة العقوبات تركية
12-12-2017 11:40

 


جان أجون

باحث ومدير السياسات الخارجية في مركز ستا

أجرى إقليم كردستان العراق (IKBY) استفتاء شعبياً حول استقلاله في 25 أيلول بقيادة مسعود البرزاني بالرغم من ردود الأفعال الحادة التي أبدتها تركية وإيران والعراق والاعتراضات الدولية. فظهرت أصوات "نعم" بنسبة 92% ومشاركة 72% حسب الأرقام الصادرة عن حكومة إقليم كردستان العراق، ولم يكن يُتَوَقَّع عكس هذه النتيجة أصلاً. وفي هذا الاستفتاء الذي قاطعه العرب والتركمان قالت الأكثرية الساحقة من الأكراد "نعم". وفي أعقاب الاستفتاء عمت الاحتفالات مدن أربيل ودهوك وغيرها، لكن الأكراد استيقظوا من حلمٍ دام قصيراً بعد تشكل محور أنقرة-طهران-بغداد، والتصريحات التي قدمها هذا المحور بخصوص العقوبات السياسية والاقتصادية القاسية وحتى العسكرية. فترون الشوارع الآن يخيم عليها قلق وفرحة لم تُكتمل. وبينما ضعفت حكومة إقليم كردستان العراق التي لم تلق دعماً دولياً كانت تتوقعه اتخذت العراق وضعاً سياسياً فيه مزيد من الحزم وبدأت ترفع يدها.

أعلن البرلمان العراقي الاستفتاء أمراً غير قانوني، واتخذ قرارات تطالب فيها حكومة بغداد بإغلاق المطارات الخاضعة لسيطرة حكومة إقليم كردستان العراق، وإغلاق المعابر الحدودية، وإيقاف تصدير البترول، وإحكام سيطرتها على مناطق مثل كركوك وسنجار. والخطوات التي ستخطوها حكومة إقليم كردستان العراق من الآن فصاعداً، واللقاءات التي ستجرى مع بغداد، سوف تحدد قدر المنطقة، ولكن إصرار البرزاني على تقديم تصريحات بأن اللقاءات في طبيعتها ستكون متعلقة بعملية الاستقلال، ورفض رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي هذه التصريحات جملةً وتفصيلاً؛ عوامل من شأنها أن تصعّب التوصل إلى حل وسط على المدى القصير. أما تركية فهي عازمة على الاستمرار في سياسة فرض العقوبات على أربيل بالتعاون مع طهران وبغداد إلى أن تتراجع أربيل خطوة إلى الوراء.

وأخيراً يتجلى الاستفتاء الذي يضم مناطق متنازعة عليها كالموصل وكركوك في نظر الدستور العراقي واحداً من التحديات الكبيرة الأخيرة المتعلقة بالحدود الجارية التي تم تحديدها بعد الحرب العالمية الأولى في منطقة الشرق الأوسط. فأكراد العراق الذين يديرهم الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) والاتحاد الوطني الكردستاني (KYB) يريدون استقلال الإقليم الذي سيطروا عليها نتيجة الاحتلال الأمريكي للعراق من خلال السير قدماً في الوضع الجديد الذي تشكل بمكافحة داعش، أي أنهم يريدون بناء دولة جديدة. والدافع الأساسي لإجراء الاستفتاء هو الاستقلال علناً، ولكن عند دراسة الوضع الحالي يلاحظ أن العديد من المسائل المختلفة والمتداخلة والمتشابكة تتشكل حول الاستفتاء. فالتوازنات السياسية الداخلية لحكومة إقليم كردستان العراق، والعلاقة التي لم يتم تطبيعها بين أربيل وبغداد، وسياسات القوى الإقليمة والعالمية في القضية الكردية، والرؤى الإقليمية هي جملة متغيرات بعضها يؤثر في بعض.

الديناميات المحلية:

إلى جانب المكونات الأخرى ينبغي الوقوف عند العلاقة المباشرة التي تربط استفتاء الاستقلال بصراع القوى الذي يحصل داخل إقليم كردستان العراق. فبينما كانت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المزمع إجراؤها في نهاية عام 2017 تحمل أهمية حيوية بالنسبة لإقليم كردستان العراق عملت جميع الجهات السياسية على تعزيز قوتها في هذا السياق. فإطالة فترة ولاية رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني لمرتين اثنتين، وعدم فتح البرلمان منذ وقت طويل، والأزمة الاقتصادية المتفاقمة مع كل يوم يمضي، جعلت المعارضة تقوى في وجه البرزاني وباتت تشكل تهديداً للحكومة. لهذا السبب اعتبر البرزاني عملية الاستفتاء أداةً هامةً من أجل تمكين قيادته الشخصية والحزبية من خلال إبرازه زعيماً مؤسساً سار بأكراد العراق إلى الاستقلال. فإن أجريت الانتخابات في نهاية عام 2017 سيدخل الحزب الديمقراطي الكردستاني الانتخابات برياح أصوات "نعم" القوية التي خرجت من الاستفتاء. وستبقى الأحزاب الأخرى مستمرةً في توجيه أصابع الاتهام للبرزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني لاستخدامهما مسألة الاستقلال أداة لصراعات سياسية محلية. وبدأ العديد من اللاعبين السياسيين من الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير (كوران) يبدون ردود أفعالهم على الانتخابات المقموعة.

من الواضح أن الجهات الفاعلة في إقليم كردستان العراق الواقعة تحت تأثير "القومية الكردية" المتصاعدة لديها رغبة في بناء دولة مستقلة خارج جميع هذه الحسابات السياسية. لكن من يدير العملية وكيف يديرها، وما مقدار المكتسبات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي ستحققها والصلات الدولية؛ تجلب معها وضعيات مختلفة. ويؤثر فيها كذلك التمزق السياسي الجاد في حكومة إقليم كردستان العراق، يؤثر فيها بصورة طبيعية جميع الأحزاب السياسية والجهات الفاعلة السياسية التي لها صلات إقليمية ودولية.

مخاوف تركية وسياسة الاستفتاء:

بالرغم من أن إقليم كردستان العراق يملك خصائص سياسية واقتصادية وعسكرية قريبة على وجه التقريب من الاستقلال الحقيقي فإن الأطراف السياسية الكردية العراقية وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني لا تتخلى عن رغبتها في بناء دولة كردستان تتمتع باستقلالية تامة. ومعلوم أن الحكومة المركزية في العراق تعتبر الاستفتاء الذي حصل في أيلول أمراً غير مشروعاً وغير مُلْزِمٍ قانونياً باعتباره خطوةً وحيدة الطرف، ولكن هذا الاستفتاء لديه القدرة على إثارة عمليةٍ من شأنها أن تمزق العراق بشكلٍ أو بآخر من خلال تغيير الوضع القائم تحت تأثير الطرد المركزي الذي يسرع تفكك العراق وتمزقه.

وعندما نضع بالحسبان أن الاستفتاء شملت مناطق متنازَع عليها خارج حدود إقليم كردستان العراق الحالية مثل الموصل وكركوك وسنجار لا يمكن أن نتبنأ عن انفصال مخملي في العراق. مما يجعل المطالب القصوى لأكراد العراق العملية أكثر خطورةً.

وتركية بدورها أبدت ردود أفعال حادة على قرار الاستفتاء رغم محاولتها لبناء علاقات طيبة مع إقليم كردستان العراق منذ وقت طويل، وقررت أن تتحرك بالتنسيق مع إيران والعراق. فتعمل على الحد من التهديدات التي يشكلها الاستفتاء لأنها ترى أن الاستفتاء من شأنه أن يؤدي إلى حروب أهلية تقود المنطقة من جديدٍ إلى دوامة صراعات حقيقية في الوقت الذي يتم فيه العمل على تحقيق الاستقرار في سورية والعراق ولا سيما عندما تسحب إليها التركمان عبر الديناميات الإثنية. ويمكن الحديث عن صراعات جادة يمكن أن تحصل مباشرةً بين بغداد وأربيل أو بطريقةٍ غير مباشرةٍ على يد عناصر مثل الحشد الشعبي. كما يمكن القول إن هذه الصراعات تخلق أوساط الفوضى التي تحول دون تحقيق الاستقرار المرجو في الفترة التي تلي دحر داعش من المنطقة، والتي تهيئ بيئة تحتضن من جديد تنظيمات إرهابية مثل داعش وحزب العمال الكردستاني (PKK).

إن تركية قلقة جداً من الغموض والسيناريوهات المحتملة المتعلقة بالمعادلات السياسية الداخلية في دولة كردستان المستقلة المزمعة والأحزاب السياسية التي ستديرها. ومما يزيد الغموض هو الاستقطاب السياسي الموجود في إقليم كردستان العراق، وسلطة حركة كوران والاتحاد الوطني الكردستاني الذين يتبعون سياسة مناهضة لتركية، وإدراج كركوك التي تشكل حاضنة الاتحاد الوطني الكردستاني؛ في المعادلة السياسية الجديدة. وبالتالي فإن العلاقات الطيبة التي بنتها تركية مع البرزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني لا تحمل بمفردها أهمية تذكر.  

والمصدر الآخر الذي يثير قلق تركية هو الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية التي سيكون لها نفوذ على دولة كردستان المستقلة التي ستتأسس عند تمزق العراق. وينبغي ألا ننسى أن إسرائيل هي الداعم الأكبر لبناء دولة مستقلة للأكرد. ومما يزيد القلق والمخاوف في هذا السياق هو تأكيد قادة إقليم كردستان العراق واللاعبين السياسيين على أن دولة كردستان الجديدة هامة من أجل مصالح الغرب في المنطقة، واستعمال اللاعبين الغربيين بطاقة الأكراد أداةً في وجه دول المنطقة.

إن محاولات الولايات المتحدة الأمريكية في استثمار حزب الاتحاد الديمقراطي/ وحدات الحماية الشعبية الذين يشكلان ذراع حزب العمال الكردستاني في سورية تحت غطاء مكافحة داعش منذ منتصف عام 2014، وتشكيل حزام يمتد من سنجار التي خضعت فعلياً لإقليم كردستان العراق وصولاً إلى منبج؛ واحدةٌ من العناصر التي تؤثر على نظرة تركية إلى استفتاء إقليم كردستان العراق. في المشهد الكبير تتبنأ تركية بحدوث مساعٍ من أجل دمج حزام حزب الاتحاد الديمقراطي وإقليم كردستان العراق تحت سقف واحد على المدى المتوسط والطويل. وهناك أمارات كثيرة تشير إلى أن حكومة إقليم كردستان العراق تحلم ببناء "Pan-Kürdist" في المرحلة التالية من مساعي الاستقلال وإن لم تعبر عن ذلك علناً.

وأخيراً يمكننا القول إن تركية لا ترسم سياساتها الحالية بخصوص إقليم كردستان العراق بشكل يناهض الأكراد كما تزعم بعض الأوساط، بل على العكس تحاول أن تصممها وهي تراعي مصالح الأكراد في المنطقة واضعة بالحسبان المخاوف السياسية الحقيقية التي جئنا على ذكرها أعلاه. فبينما تشجع تركية حكومة إقليم كردستان العراق على التراجع خطوة إلى الوراء عبر التصريح بفرض عقوبات سياسية واقتصادية وعسكرية بالتعاون الإقليمي مع إيران والعراق، تشير إلى ضرورة حل المشكلة بالاتفاق المزمع إجراؤه بين بغداد وأربيل. وتدعو تركية حكومة إقليم كردستان العراق إلى قبول اتفاق من شأنه أن يحمي مكتسباته الموجودة، ويؤمن خروج مسعود البرزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني من هذا المجرى دون أن يستنزف جهوداً أكبر في السياسة الداخلية.

 

مقالات أخرى
الأكثر قراءة
الكتاب