22 ماَيُو (ماَيِس) 2019
عربي Türkçe
اختيار اللغة:

الكتّاب

  نعمان تلجي

 - الأزمة الخليجية وأثارها على التحالفات السياسية في الشرق الأوسط
25-06-2018 09:04

بدأت التحالفات تتشكل من جديد في منطقة الشرق الأوسط بعد الربيع العربي الذي انطلق عام 2011، وشهدت أكثر تنافساتها حدةً مع اندلاع الأزمة الخليجية في حزيران 2017. وتبلورت الحالة النهائية لكتلة التحالفات الموجودة في المنطقة إثر الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين ومصر على قطر. فتركيا التي دعمت قطر منذ اليوم الأول من الأزمة أعلنت إرادتها في تحويل الشراكة الاستراتيجية التي تربطها بهذا البلد إلى تحالف دائم. ورغم أن البلدان التي فرضت الحصار على قطر تجنبت الدخول في مجابهة مباشرة مع تركيا؛ فإنها كانت السبب في وضعها أنقرة خارج التحالف الذي شكلته. والتطورات التي جرت في الأعوام القليلة الماضية تشير إلى الفروقات السياسية بين تركيا وهذه البلدان.

شكل الانقلاب العسكري في مصر عام 2013 إحدى نقاط الانعطاف. فعارضت تركيا وقطر هذا الانقلاب العسكري، ونادتا ببقاء محمد مرسي في منصبه بصفته الرئيس المنتَخَب ديموقراطياً. ورفضتا الاعتراف بنظام عبد الفتاح السيسي الذي نفذ الانقلاب، وعاشتا توترات كثيرة مع مصر. أما السعودية والإمارات اللتان تدعمان الانقلاب في مصر فقد اتخذتا موقفاً مناهضاً لتركيا وقطر.

في الفترة التالية حدثت توترات أخرى بين هذه البلدان تتعلق بالسياسات الموجهة للإخوان المسلمين. إذ أعلنت القاهرة والرياض وأبو ظبي جماعة الإخوان المسلمين منظمةً إرهابية، في حين اعتبرتها تركيا والدوحة منظمة مدنية، وفتحتا أبوابها لأعضاء هذه الجماعة. فبينما عملت القنوات التلفزيونية المبنية من قبل جماعة الإخوان المسلمين على البث من تركيا وقطر، سيّرت السعودية والإمارات حملات ترمي لتشويه صورة الجماعة. وتوترت العلاقة لدرجة أن الرياض وأبو ظبي سحبتا سفيريهما من الدوحة لبعض الوقت في عام 2014.

أمرٌ أخرٌ أثار الخلاف بين هذه البلدان وهو السياسية المتبعة تجاه إيران. فالسعودية والإمارات اللتان تعتبران إيران تهديداً مباشراً، تشعران بامتعاض كبير من بناء تركيا وقطر علاقات مع طهران. وأعلنتا أن بناء قطر علاقات قريبة مع إيران يشكل أحد أسباب الأزمة الخليجية.

وأخيراً كانت القضية الفلسطينة سبباً في تعمق الخلافات بين هذه البلدان. فبينما أبدت تركيا موقفاً حاداً جداً تجاه إعلان الرئيس الأمريكي ترامب القدس عاصمة إسرائيل في كانون الأول عام 2017؛ أبدت الإمارات والسعودية ومصر مواقف خجولة. وكانت العلاقات الطيبة التي بنتها هذه البلدان مع إسرائيل وأمريكا في الفترة الأخيرة سبباً في إبعاد تركيا عن هذه الكتلة بشكل أكبر.

هذه الاختلافات التي تعمقت في الفترة التي تلت ثورات الربيع العربي حققت مزيداً من التقارب بين تركيا وقطر في المنطقة، واتضح هذا التقارب بشكل أكبر منذ اندلاع الأزمة في 5 حزيران 2017. وحمل الدعم التركي لحكومة الدوحة أهمية حيوية جداً، ففي اليوم الثاني من الأزمة قرر البرلمان التركي افتتاح قاعدة عسكرية في قطر، ليكون ذلك إشارة إلى أن تركيا تشكل درعاً أمنياً للدوحة. في الأيام التالية توجهت وحدات عسكرية تركية إلى الدوحة، وتم بصورة فعلية افتتاح أول قاعدة عسكرية لتركيا في الشرق الأوسط منذ العهد العثماني. وأعلن رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان دعمه لأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، وكانت زياراته لهذا البلد حافزاً لتجاوزه الأزمة بشكل أسهل.

يعتبر معظم المحللين هذا الموقف التركي السبب الأهم وراء إحباط الأزمة، فردود أفعال بعض البلدان كالسعودية والإمارات تجاه الموقف التركي؛ خلق نوعاً من الامتعاض الإقليمي تجاه أنظمة هذه البلدان. وتبين أن اللاعبين الإقليميين لا يعتبرون هذه البلدان (التي تهدد مستقبلَ مجلس التعاون الخليجي الذي يحافظ على وجوده منذ سنوات طويلة)؛ "صديقة" نظراً لاتباعها سياسة إقصاء قطر. لهذا السبب لوحظ أن بلداناً مثل عمان والكويت والأردن بدأت تتخذ موقفاً بعيداً من التحالف السعودي الإماراتي لاسيما في الفترة التي تلت الحصار المفروض على قطر.

من جانب آخر تواصل تركيا التي لعبت دوراً حيوياً في الأزمة؛ حراكها في السياسات الإقليمية رغم أجنداتها السياسية الداخلية النشطة. فالقيادة التي أبداها أردوغان فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية إضافة إلى التضامن الذي أبداه في الأزمة القطرية؛ عززت صورته كلاعب يمكن الوثوق به لا سيما لدى الشعوب العربية. ويمكن القول: إن كسب صداقة أردوغان كان الهدف من مشاركة أمير الكويت والملك الأردني في قمة القدس التي عقدت في إسطنبول بمبادرة من أردوغان بعد إعلان الرئيس الأمريكي القدس عاصمة لإسرائيل. ومشاركة بلدان مثل قطر وإيران والسودان والصومال في هذه القمة في مستوى رؤساء الدولة تشير إلى الأهمية التي يتم إعطاؤها للموقع القيادي لتركيا في المنطقة.

تعتبر الأزمة القطرية في عيون أنظمة منطقة الشرق الأوسط ومنطقة الخليج بمثابة درس هام بضرورة تنويع تحالفاتها. فالتطورات التي حصلت مؤخراً لا سيما في عمان والأردن أشارت إلى أن البلدان الغنية بالطاقة شركاء لا يمكن الوثوق بهم. وعمان التي تتبع سياسة التوازن بين إيران والسعودية منذ سنوات طويلة باتت تجد صعوبة في الاستمرار على هذه السياسة نظراً لتزايد المواقف المناهضة لطهران في المنطقة في الآونة الأخيرة. وعند الوضع بالحسبان المزاعم التي ترى أن تقارب الدوحة من إيران يشكل إحدى الأسباب الكامنة وراء الحصار المفروض على قطر؛ فإنه من المحتمل أن تتعرض عمان لمزيد من الضغوطات في الفترة المقبلة.

من جانب آخر تعيش الأردن الصعاب بسبب سياسات إسرائيل تجاه فلسطين. فالدعم الذي تقدمه السعودية لتل أبيب وانتظارها من الأردن اتباع سياسة مشابهة؛ يضيق الخناق على الملك عبد الله الذي يعي وجود ملايين الفلسطينين في بلده. ولا ننسى امتعاض السعودية من مشاركة الملك الأردني عبد الله في قمة القدس التي شاركت فيها الرياض وأبو ظبي والقاهرة بمستويات منخفضة.

عند تقييم هذه التطورات يمكن القول: إن التحالف السعودي الإمارتي المصري الذي تعزز بالدعم الأمريكي بعد وصول ترامب إلى سدة الحكم؛ سوف يواصل اتباعه لسياسة أكثر عدائية في المنطقة. من جانب آخر يجب ألا ننسى أن مجال تأثير هذا التحالف في الساحة محدود جداً رغم أنه يعطي صورة بأنه قوي. فهذه البلدان التي لم تستطع بلوغ النتائج المنشودة فيما يتعلق بالحروب المستمرة في سوريا وليبيا واليمن؛ لم تستطع الوصول أيضاً إلى أهدافها في الحملات التي أطلقتها ضد تركيا وقطر. وبالتالي يمكن القول: إن التنافس بين التحالفات الجديدة التي تتضح معالمها في المنطقة تدريجياً سوف يستمر منتشراً إلى مجالات مختلفة.

أ.م.د. إسماعيل نعمان تلجي
معاون مدير معهد الشرق الأوسط في جامعة
صقاريا. عضو الهيئة التدريسية في قسم العلاقات
الدولية في كلية العلوم السياسية بجامعة صقاريا.

مقالات أخرى
الأكثر قراءة
الكتاب